المنطار
استخدام الثورة بوصفها ورق تواليت و الحكومة جرافة
المنطار
حكومة أسدية سابقة و ثورة طائفية جديدة على هيئة جرافة
ليست قرية المنطار في ريف طرطوس مجرد نزاع عقاري جديد في سوريا ما بعد الأسد. إنها، في صورتها الأعمق، اختبار مبكر لمعنى “الدولة الجديدة”: هل جاءت لتفكك إرث الاستملاك والقهر الإداري الذي صنعته دولة الأسد، أم لتعيد استعمال أدواته نفسها، ولكن ضد جماعات أضعف، وبخطاب مختلف، وبتوقيع قضاة وشرطة وإدارات محلية بدل توقيع الأجهزة القديمة؟
في أواخر السبعينيات، استولت الدولة السورية في عهد حافظ الأسد على مساحات واسعة من أراضي الزراعة والصيد التابعة لقرية المنطار، وهي قرية ساحلية يقطنها علويون، ثم أقيمت على جزء من تلك الأرض منشأة سياحية عُرفت باسم “رواد السياحة”. كانت الذريعة المعلنة، كما في كثير من الساحل السوري، هي “المنفعة العامة” و”السياحة”. أما النتيجة الاجتماعية فكانت أكثر قسوة: خسر أصحاب الأرض علاقتهم الأصلية بالمكان، ثم أُعيد إدماج بعضهم في المنشأة بوصفهم عمّال خدمة، لا بوصفهم مالكين أو شركاء أو أصحاب حق. إنه جوهر الاستملاك السوري: حيث الدولة لا تكتفي بأخذ الأرض؛ بل تغيّر موقع الإنسان في مجتمعه. من مالك إلى عامل، من صاحب قرار إلى تابع، من ابن أرض إلى موظف موسمي على أرض كانت له أو لجماعته. هكذا يتحول “النفع العام” إلى هندسة طبقية وسياسية: مركز ترفيهي للطبقة الوسطى الآتية من حمص أو المدن القريبة، في مقابل سكان محليين أُزيحوا من الملكية إلى الخدمة.
والمشكلة أن ما يحدث اليوم، بحسب منشورات محلية متداولة وشهادات الأهالي، لا يبدو قطيعة مع ذلك الماضي، بل امتداداً له. منشورات عدة تحدثت خلال الساعات الأخيرة عن تنفيذ هدم أو إخلاء في قرية المنطار بريف طرطوس، بعضها وصف الأمر باعتداء على منازل مدنيين، وبعضها الآخر قال إن ما يجري هو تنفيذ حكم قضائي بإخلاء أراضٍ “مغتصبة” تابعة لجمعية رواد السياحة، مع مهلة قيل إنها بلغت خمسة عشر يوماً قبل التنفيذ. هذه الروايات المتضاربة نفسها تكشف مركز القضية: حين يصبح القانون لغة المنتصر الإداري، لا يعود السؤال فقط: هل يوجد حكم؟ بل: أي حكم؟ ومن أصدره؟ وعلى أي سجل ملكية؟ وبعد أي تاريخ من الاستملاك؟ ومن سُمع؟ ومن مُنع من الدفاع؟ ومن يملك الوصول إلى القضاء أصلاً؟
القهر من حافظ الأسد إلى السلطة الجديدة- الأداة نفسها
كي نفهم المنطار، لا يكفي أن نبدأ من الجرافة التي تهدم اليوم. يجب أن نعود إلى الجرافة الأولى: جرافة “المنفعة العامة” في دولة الأسد.
لم يكن الاستملاك في الساحل السوري، واقعة هامشية. تحقيق نشره موقع “صوت سوري” يوثق أن الشريط الساحلي شهد استملاك 7273 عقاراً، بمساحة تقارب 50 ألف دونم، بذريعة تشييد منشآت سياحية. ويورد التحقيق أمثلة من وادي قنديل ومناطق ساحلية أخرى حيث تحولت السياحة إلى غطاء لنقل الملكية أو تجميدها أو إعادة بيعها لمتنفذين، بينما بقي أصحاب الأرض الأصليون خارج المعادلة. (
كان المنطق القانوني بسيطاً و ساذجاً وخطيراً: تعلن الدولة وجود منفعة عامة، تصدر قراراً أو مرسوماً، تضع إشارة استملاك، ثم تتصرف بالأرض لاحقاً. فإذا تحقق المشروع السياحي، قيل إن المنفعة العامة قائمة. وإذا لم يتحقق، أو زالت صفته، تتيح بعض مواد قانون الاستملاك تحويل العقار إلى أملاك خاصة للدولة والتصرف به. هكذا يصبح الفشل في تنفيذ المشروع نفسه طريقاً إضافياً لابتلاع الأرض، لا سبباً لإعادتها إلى أصحابها. يشرح تحقيق “صوت سوري” أن المادة 35 من قانون الاستملاك استُخدمت، وفق محامين وشهادات محلية، لتمكين الجهات العامة من التصرف بعقارات استُملكت أصلاً للنفع العام ثم زالت عنها تلك الصفة. (
إن أخطر ما لا تفهمه الحكومة الانتقالية الجديدة هو أن المظلومية لا تُورَّث كما تُورَّث العقارات المصادرة، ولا تُستخدم إلى الأبد كحصانة سياسية. الثورة السورية لم تقم كي تتحول إلى ختم على أوامر الإخلاء، ولا كي تصير دماء الضحايا ورقة تواليت تمسح بها السلطة الجديدة قذارة قراراتها. من يظن أن ذاكرة السجون والبراميل والتهجير تمنحه الحق في هدم بيت فقير، أو إذلال قرية، أو تبرير انتقام إداري مقنّع بالقانون، لم يفهم الثورة؛ لقد استعملها فقط.
والتحذير هنا ليس بلاغياً. هذه السلطة التي تبدأ عهدها بمصادرة الخوف، واستثمار الأحقاد، وتطبيق قوانين الظلم القديمة على أجساد جديدة، ستكتشف سريعاً أن الغضب السوري لم يعد قابلاً للحبس داخل طائفة أو منطقة أو سردية واحدة. قد تكون المنطار قرية علوية، وقد تكون ضحايا الأمس من مدن سنية مدمرة، وقد يكون القادمون إلى السلطة من ذاكرة ثورية حقيقية أو مزعومة؛ لكن لحظة الهدم تخلط كل ذلك. فالبيت حين يسقط لا يسأل عن مذهب صاحبه، والجرّافة حين تتقدم لا تقرأ تاريخ الضحية السياسي، والظلم حين يتكرر يصنع لغة مشتركة بين من ظنوا أنهم لن يلتقوا أبداً.
لذلك، إن استمرت الحكومة الانتقالية في التعامل مع الثورة كرصيد مفتوح للسلب، ومع القانون كعصا، ومع الطوائف المهزومة كغنائم سياسية، فإن ما ينتظرها لن يكون احتجاجاً محلياً صغيراً، بل موجة عابرة للطوائف والمناطق: ثورة ثانية، لا ضد طائفة ولا باسم طائفة، بل ضد كل من حوّل الدولة إلى جرّافة، وكل من استبدل شعار الحرية بامتياز الحكم، وكل من ظن أن مظلومية السوريين تصلح وقوداً لسلطة جديدة.
حينها لن تنفعها صور الشهداء، ولا خطب النصر، ولا فتاوى المرحلة، ولا أحكام المحاكم التي كُتبت فوق تاريخ مصادَر. فالثورة التي استُخدمت كمنشفة قذرة ستعود لتسأل مستخدميها: من أعطاكم الحق في الكلام باسمنا وأنتم تعيدون إنتاج ما خرجنا ضده؟ ومن قال إن سقوط الأسد كان تفويضاً لبناء أسدٍ آخر، بلهجة أخرى وراية أخرى وجهاز آخر؟
المنطار، بهذا المعنى، ليست نهاية قصة عقارية. إنها إنذار. وإذا لم يُسمع هذا الإنذار الآن، فستتحول الجرافات التي تهدم بيوت الناس إلى المعاول التي تحفر قبر شرعية الحكومة الانتقالية نفسها.
