شمسية للحاكم وبلوعة لليرة
كل شيء على ما يرام حتى ولو أمطرت
شمسية للحاكم وبلوعة لليرة
كل شيء على ما يرام حتى ولو أمطرت
و أخيراً صار، عنّا الـولاشي نخاف عليه !
صحيح وأنه لا يمكن قراءة الحالة الاقتصادية السورية كأنها تبدأ من الصفر. وصحيح أن الحكومة الانتقالية، وبطبيعة الحال لم ترث دولة طبيعية تعاني من أزمة، بل ورثت بقايا جهاز اقتصادي مدمّر: عملة فاقدة للثقة، مصرفاً مركزياً مثقلاً بإرث سياسي وأمني، نظاماً مصرفياً معزولاً، إنتاجاً صناعياً محطماً، طاقة شحيحة، عائدات عامة منهوبة أو منهارة، وطبقة تجارية ومالية تشكّلت على اقتصاد الحرب والامتيازات والتهريب والولاء، لكن ولتلك الأسباب تحديداً فإن أي مشهد استعراضي داخل المصرف المركزي لا يبدو تفصيلاً شكلياً، بل يتحول إلى رمز لفجوة كبرى بين شكل السلطة ومعنى الانهيار.
قدّر البنك الدولي أن الاقتصاد السوري انكمش في 2024 بنسبة 1.5%، وأن النمو المتوقع في 2025 لا يتجاوز 1%، أي أن الحديث ليس عن نهوض اقتصادي فعلي بقدر ما هو عن حركة ضعيفة فوق أرضية مدمّرة. كما أشار إلى أن القيود المالية، ضعف السيولة، المشكلات الأمنية، وتعثر المساعدات والاستثمار كلها ما زالت تكبح التعافي
. (World Bank)
لكن الأزمة الأعمق ليست فقط في سعر الصرف أو نقص الدولار، بل في ضياع الهوية المالية الوطنية. لم تعد، الليرة السورية بالنسبة إلى جزء واسع من المجتمع، رمزاً للسيادة أو وعاءً للادخار أو وحدة قياس مستقرة للقيمة و تحولت إلى ورقٍ للتداول اليومي القلق، بينما تُقاس الثقة الفعلية بالدولار أو الذهب أو السلع أو العقار أو التحويلات الخارجية. وهذا أخطر من التضخم نفسه، لأن التضخم يرفع الأسعار، أما فقدان الهوية النقدية فيكسر علاقة المواطن بالدولة وبالمستقبل. كان المصرف المركزي قبل سقوط النظام السابق، عملياً جزءاً من إدارة الأزمة لا من حلّها ولم يكن مؤسسة نقدية مستقلة بالمعنى الاقتصادي، بل صندوقاً سيادياً مشوهاً لتمويل العجز، ضبط الندرة، هندسة أسعار صرف متعددة، ومراكمة الريوع داخل شبكات النفوذ.
تتضح قسوة المشهد أكثر اليوم : يدخل حاكم المصرف بمظلّة، بينما الاقتصاد كله بلا سقف.
في حلب، مثلاً، لم تُقتل الصناعة فقط بالقصف أو النزوح أو انقطاع الكهرباء، بل قُتلت أيضاً بتحول المال من أداة إنتاج إلى أداة نجاة ومضاربة وبينما يحتاج المصنع ائتماناً، كهرباء، سوقاً، استقراراً، وقضاءً يضمن الملكية من هنا يصبح المصرف المركزي أشبه بـ“الثقب الأسود” لا لأنه يبتلع النقد فقط، بل لأنه يبتلع المعنى: يبتلع عائدات المدن المنتجة، يبتلع تحويلات المغتربين عبر قنوات مشوهة، يبتلع الثقة بالليرة، ويبتلع فكرة أن للبلد سياسة نقدية وطنية واضحة، صحيح أن هناك إشارات خارجية إلى انفتاح تدريجي. الاتحاد الأوروبي بدأ بتخفيف واسع للعقوبات الاقتصادية في 2025، وأزال لاحقاً كيانات من قوائم العقوبات، مع إبقاء عقوبات على أفراد وشبكات مرتبطة بالنظام السابق. كما أن سوريا دُعيت إلى اجتماعات مالية مرتبطة بمجموعة السبع في باريس، في خطوة قُرئت كإشارة إلى محاولة إعادة وصلها بالنظام المالي الدولي.
(Reuters)
لكن الانفتاح الخارجي لا يصنع اقتصاداً إن لم يترافق مع إعادة بناء داخلية: شفافية في المصرف المركزي، إصلاح مصرفي حقيقي، مكافحة اقتصاد الحرب، حماية الملكية، إعادة تشغيل الطاقة، وتوجيه التمويل إلى الإنتاج لا إلى المضاربة.
والمفارقة أن الحكومة الانتقالية مطالبة بشيئين متناقضين في الوقت نفسه: أن تطمئن الناس بسرعة، وأن تعالج خراباً تراكم لأكثر من عقد. تريد الناس سعر صرف، رواتب، خبزاً، كهرباء، عملاً، وكرامة يومية. أما الإصلاح الحقيقي فيحتاج مؤسسات وقوانين ومحاسبة. وبين استعجال الشارع وبطء الإصلاح تولد مساحة خطرة: مساحة الاستعراض، الشعارات، الصور، والطقوس التي توحي بأن الدولة عادت، بينما المواطن لا يرى عودتها في جيبه ولا في فاتورة طعامه ولا في قدرته على الادخار.
لهذا فإن ضياع الهوية المالية الوطنية يبدو وأنّه عنوان جامع للمرحلة.وبهذا المعنى، فإن مشهد الدخول الاستعراضي إلى المصرف يبدو مشهداً مكثفا لبلد يحاول أن يرتدي هيئة الدولة قبل أن يستعيد مضمونها. والمأساة أن الاقتصاد لا يصدّق المظاهر. في بلدٍ فقدت عملته معناها، يصبح حمل الشمسية فوق رأس الحاكم تفصيلاً جارحاً. فالمشكلة ليست في الشمسية، بل في العراء الوطني الواسع تحتها: شعب مكشوف أمام التضخم، صناعة مكشوفة أمام الخراب، مصرف مكشوف أمام ذاكرة النهب، وليرة مكشوفة أمام سؤالها الأخير: هل ما زالت عملة وطن، أم مجرد أثر ورقي لدولة تبحث عن نفسها؟

